محمد بن علي الشوكاني
5816
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
يقول إن حديث : " أنا سيد ولد آدم " عام مخصص بموسى ويونس بن متى ، وهذا بعيد جداً ، لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إذا كان سيداً لمثل إدريس وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وسائر أنبياء بني إسرائيل الذين آخرهم عيسى - صلوات الله عليهم جميعاً وسلامه وهم بين الجلالة والفضيلة بمنزلة يتقاصر عنها الوصف ، فكيف ينهى عن تفضيله على موسى ويونس ! مع أنه قد ثبت عنه أنه لو بعث موسى في زمانه لتمسك بشريعته ، وتحقق باتباعه - فبالأولى يونس مع أن يونس بن متى - عليه السلام - هو من أنبياء إسرائيل المقتدين بشريعة موسى - عليه السلام - ، المقتدين بالعمل بالتوراة كما يعرف ذلك من له اطلاع على كتاب نبوته ، فإنه كتاب مفرد من جملة كتب أنبياء إسرائيل المشتملة على ما أوحاه الله إليهم في أيام نبوتهم ، وما وقع بينهم وبين قومهم . ومع هذا فقد ثبت النهي عن المفاضلة بين الأنبياء على العموم ( 1 ) ، وإن كان الله - سبحانه - قد فضل بعضهم على بعض كما نطق به القرآن الكريم ، لأن علمه - سبحانه - محيط بكل شيء ، فهو يعلم المفاضلة بين عباده فضلاً عن أنبيائه ، بل يعلم ما تضمره القلوب ، وتنطوي عليه الجوانح ، وتوسوس به النفوس ( 2 ) وقال سبحانه وتعالى : ( يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون ) [ التغابن : 4 ] . وقال تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [ غافر : 19 ] . وقال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) [ ق : 16 ] .
--> ( 1 ) قال تعالى : ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) [ البقرة : 253 ] قال القاضي عياض في الشفاء ( 1 / 309 ) : قال بعض أهل العلم : والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا . وذلك بثلاثة أحوال : 1 - أن تكون آياته ومعجزاته أبهر وأشهر . 2 - أن تكون أمته أزكى وأكثر . 3 - أن يكون في ذاته أفضل وأطهر وفضله راجع إلى ما خصه الله به من كرامته واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية . ( 2 ) قال تعالى : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) [ التوبة : 78 ] .